الافتتاحية

سي كمال مدرّس مثالي لعديد الاعتبارات . فهو يقوم بواجبه مخلصا مرتاح الضمير، يطبّق بأمانة التوجيهات الرّسميّة وينجز البرامج كما هو منصوص وفي الآجال المرسومة، يحترم الوقت ومواعيد المراقبة المستمرّة وتعليمات رؤسائه عن قناعة ورويّة .

وقد جلبت له خصاله هذه احترام الجميع وتقديرهم داخل المدرسة وخارجها .

ومع هذا فإنّ سي كمال محتار في أمره لا يفهم سبب تفوّق تلاميذ زميله سي بديع  وتقدّمهم على تلامذته كلّما جمعتهم مناظرة أو مباراة علميّة أو نشاط ابداعي ، ولا يعرف سرّ ما يتمتّعون به من حيويّة وانشراح وطاقة خلاّقة في القسم و في الشارع ...

أمّا سي بديع فلئن كان هو أيضا محلّ تقدير الجميع ورضاهم ، فقد اشتهر بالطرافة      والخروج عن المألوف . فهو ، مع امتثاله للتعليمات الرسميّة وتقيّده بالبرامج، يرفض أن يختزل دوره إلى مجرّد أداة وصل . وتتجلى نزعته هذه في اجتهاده الدائم وحبّ الاطلاع ومراجعة مذكّراته باستمرار والبحث المتواصل عن وضعيات تعليميّة غير معهودة ومشوّقة واستنباط تمارين ملائمة للتدرّج التعليمي ولأنساق التلاميذ المختلفة . وما يميّز عمله كذلك هو تنويع تمشياته البيداغوجيّة وسبل الاكتشاف وأساليب حلّ المشاكل ، همّه دوما تحريك ملكة الاستكشاف والاستنباط الكامنة في كلّ الأطفال ومساهمتهم في بناء معارفهم وفي كلّ الحالات تراه  يسعى إلى شدّ انتباههم. وهو لا يخاف " إضاعة   الوقت " في سبيل أن يمكّن كلّ تلاميذه من التعبير وبلوغ الغاية فيه .

خلاصة القول هو أنّ سي بديع لا يركن إلى المعتاد ... ولم يفقد المبادرة . إنّه يجدّد ...

 

إنّ التجديد محرّك أساسي للتطوّر والتقدّم وهو ، في عصرنا، عماد كلّ مشروع ناجح. فلو لم يكن الإنسان مجدّدا في كلّ مجالات نشاطه، الفكريّة والماديّة، توّاقا إلى الأفضل رافضا للتقليد ،              لما غيّر شروط حياته ولا ارتقى إلى ما هو عليه الآن .

ففي ميدان التّربية تطرح اليوم تحديات كبرى تفرضها ضرورة تأقلم المدرسة مع         متغيرات الواقع ومواكبة التحولات السريعة التي تجتاح معارف الإنسان وتقنياته وقوانين تفكيره وعمله ، وهي تحديات تحتّم علينا مراجعة اختياراتنا ومناهج عملنا وتصوّراتنا لجوهر العملية التربويّـة

ذاتها . فالمطروح علينا، الآن وهنا، هو البحث المتواصل عن الاستراتيجيات الملائمة لتخيّر المعارف الموكول للمدرسة اكسابها للتّلميذ و طرق إدماجها وهيكلتها ومسالك تبليغها للنّاشئة مع الحرص الدائم على الجدوى   والجودة . وهو بحث متعدّد الجوانب يتعيّن على كلّ المؤسّسات وكلّ الأطراف الفاعلة في المنظومة التربويّة الانخراط فيه، كلّ في مجاله وفق صلاحياته و ما تقتضيه  مسؤوليّته .

غير أنّه ، رغم الاقرار بأنّ كلّ تحسين ذي بال هو نتيجة نوع من أنواع التجديد ، فإنه لا يمكن الجزم ، في مجال التّربية ، بأن التجديد يؤدي ضرورة إلى النتيجة الايجابيّة المأمولة . فلا يمكن  بحال من الأحوال أن نجدّد رغبة في التجديد ، مهما كان الثمن . وفي هذا السياق يندرج تأكيد فرنسواز كرو )ص.      ( على المخاطر الحافة بالتجديد التّربوي  وما يمكن أن يعتريه من انحراف وإلحاحها في الدعوة إلى ضرورة التحصّن بمرجعيّة قيم ثابتة تقي من سوء المغبة وعواقب الانزلاق . وانطلاقا من نفس الاشكالية يتعرّض نجيب عيّاد )ص.      (  إلى قضيّة الموانع الهيكليّة التي تحول دون التجديد والسبل الكفيلة بتجاوزها في مختلف مستويات النظام التربويّ .

* * *

ليس التجديد بالتّأكيد عملا اعتباطيا وارتجالا. وإنّما يتطلب، علاوة على الحاجة الماسة إليه والرغبة فيه ، التمكّن من المادة أو المواد المدرسيّة ومعرفة دقيقة ومحيّنة بالطرق والمناهج التعليميّة . وهنا يلعب التكوين الأساسي والمستمر بمعاضدة البحث البيداغوجي ، النظري والميداني ، دورا فعّالا باكتساب  هذه المؤهلات . فعن هذا الدور وأهميّته يتحدّث كلّ من أحمد شبشوب وعمر بنور ومصطفى النيفر )ص.      ( في مقالات تسلّط أضواء كاشفة على واقع التّكوين وآفاق تطويره بتضافر جهود مؤسّسات البحث والمؤسسات التعليميّة والتنسيق بينها حتى تتفاعل طاقاتها لتضفي مزيدا من النّجاعة و الجدوى على العمليّة التّربويّة في كلّ وجوهها.

ولكن ، ماذا عن مشاريع الوزارة لوضع محتويات التعلّم ومناهج التدريس في خدمة الجودة المنشودة ؟ حول محتويات البرامج يقدّم لنا عمران البخاري عرضا شاملا لما تمّ اتخاذه من اجراءات في إطار عمليّة الاصلاح التربوي قبل أن يستشرف الاتجاهات الكبرى ، في تونس   وخارجها ، ومقوّمات الاصلاحات المقبلة. أمّا فتحي الوذرفي )ص.      ( فيكمل هذه التصوّرات بعرض حول المجهودات المبذولة وما يعترضها من صعوبات من أجل إرساء نظام تقييم مستمر مستحدث يوفّق بين مكتسبات التّقليد و التّجديد بطريقة متماسكة.

* * *

إن انخراط الهياكل المركزيّة في التجديد شرط أساسي لكنّه غير كاف وحده للارتقاء ، ميدانيّا ، يثقافة الجودة . ولسنا في حاجة هنا إلى التأكيد على مسؤولية المؤسسات التربويّة في تكريس هذه الثقافة . فمثلها مثل سي كمال وسي بديع إذ هي لا تتمايز فيما بينها إلا بمدى التزام فرقــها

البيداغوجيّة وعلى رأسها المدير وتحمسها لتحسين الواقع والتوق الدائم إلى الأفضل. فإذا       استثنينا العوامل والمؤثرات الخارجيّة الثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، لا نملك تفسيرا آخر لتباين نتائج مؤسسات تعليميّة متشابهة .

معنى ذلك أنّ كلّ محاولة إصلاحيّة مآلها الفشل إذا لم تلتق إرادة  الإصلاح التي تحدو الهياكل المركزيّة بالسعي إلى الجودة في الأقسام . فالارتقاء بجودة التربية يمرّ أساسا عبر تبني ممارسات بيداغوجية مجدّدة وترغيب التلاميذ في التعلّم . ففي هذا السياق تندرج مساهمات عدّة لمربين انخرطوا بحماس في مسار التجديد وهي صدى للمجهودات التي تبذل ميدانيا للخروج من   رتابة التعلّمات وروتينيتها ومن أجل تحسين إجراءات التقييم واستنباط طرق جديدة لتصريف شؤون  القسم .

فجعفر بن يزيد والطاهر العامري يستعرضان حصيلة تجديدات بيداغوجيّة في مجال الرياضيات مبيّنان كيف أنه بضرب من العودة إلى المنابع يمكن التوصّل إلى جعل الرياضيات مجالا للنشاط واللّعب وليس حقلا معرفيا يستعصي ولوجه على الأغلبية من التلاميذ .

ويستعرض كلّ من ابراهيم بن صالح ومحمّد بن دعمر وفتحي بن سليمان والحبيب الحناشي مقاربات تجديديّة كفيلة بتطوير مكتسبات التلاميذ بصفة ملحوظة في التعبير الكتابي في  اللّغتين ، العربية والفرنسيّة .

أمّا عبد الرزاق البكوش وحسين بن عبد اللّه وعمارة بن رمضان فقد اهتموا ، كلّ في اختصاصه ، بضرورة تجديد تدريس العلوم الصحيحة والعلوم الإنسانية والاجتماعية بما يغيّر نظرة التلاميذ إليها ويعيد تحديد هويتها بين بقية المواد .

وتتويجا لهذا القسم من الملف تبرز جويدة بن عافية في مقالين متكاملين ، الجوانب التجديدية في الممارسات التعليميّة المستحدثة لتدريس اللّغة الانقليزيّة وذلك ضمن مقاربة تركّز أساسا على إكساب التّلاميذ القدرة على التّواصل شفاهيّا و كتابيّا.

 

وفي القسم المخصّص لقضية التقييم الشائكة يتطرّق كلّ من فتحي الفخفاخ ورشيد مشارك ويوسف الخبلاشي إلى التجارب الجارية حاليا في مرحلتي التعليم الأساسي والرّامية إلى جعل التقييم عنصرا مساعدا على التعلّم . فمن مقاربة نمطيّة  تقوم على قياس كمي للمعارف المفروض اكتسابها في نهاية التعلّم نتجه الآن نحو منظومة تعتمد تقييما تشخيصيا يواكب التعلّمات ويوجه التعديلات التي يتعيّن على المدرّس إدخالها سواء في مستوى استراتيجيّته التعليميّة أو في علاج ما تبيّن من خلل في مكتسبات التلاميذ .

 

وقد يبقى هذا العرض للتجديدات الجارية أو التي يقع تجريبها ناقصا إذا لم يقع التطرّق إلى ما يضفي على كلّ قسم طابعه المميّز ، ونعني بذلك التواصل البيداغوجي داخله وتصريف   شؤونه . وهنا تأتي مساهمة آمال البخاري في تحديد مفهوم التواصل و فوائد التحكّم فيه وقيادته بالوجه المطلوب . و من ناحيتها اهتمّت فاطمة مريشكو، إنطلاقا من نتائج بحوث ميدانية أنجزت في جهة الكاف، بإبراز بعض الإجراءات العملية لتنظيم النشاط داخل القسم وما يقتضيه من تبادل بغية تجسيم التواصل الحقيقي بين التلاميذ ومدرّسهم وفيما بينهم وفي علاقتهم بالمعرفة .

* * *

إنّ في العلاقة بالمعرفة بيت القصيد ولبّ العمليّة التعليميّة. ذلك أن انخرامها يمكن أن يعصف بمصير التلاميذ المدرسي . و إذا كان دور المعلّم في هذا المستوى حسّاسا فإنّ الوسائط  التعليميّة ( الكتب وغيرها ...) تلعب هي الأخرى دورا أساسيّا . والتغيير هنا ضرورة لا مفرّ منها ولو أن الأمر يتعلّق بالتّأهيل و التّحسين أكثر منه بالتجديد .

إنّ انتشار وسائل الاتصال الحديثة واجتياحها الفضاء المدرسي ومن خلالها حرية الحصول على المعلومة كما توفرها شبكة الانترنات تفسح المجال إلى تطور علاقة مباشرة ، تكاد تكون بدون واسطة ، بين التلميذ والمعرفة .

وفي هذا الصدد تندرج مقالات محمد البيطري وطه منصور والتي تتناول نماذج تطبيقيّة لتوظّف الاعلاميّة في تدريس العلوم الفيزيائية والتكنولوجيا وتبيّن أنه بالإمكان أن تعلّم  المدرسة بطرق مغايرة لما تعودته .

و ستتولّى النّشرة متابعة التّفكير الدّائر حول إدماج التّقنيات الحديثة في مجال التّعلّم      وتواكب التّجارب و المحاولات الجارية في مؤسّساتنا التّربويّة.

 

إنّ قناعتنا راسخة بأنّه إذا توفّقنا في تفعيل كلّ هذه التّجديدات فستحصل النّقلة النّوعيّة الّتي ننشدها و نرتقي بمردود النّظام التّربوي و نجاعة المدرسة التّونسيّة و قدرتها على مواجهة تحدّيات المستقبل.                                                                                                                                                                      

                                                                                                                                                       رئيس هيئة التّحرير

                                                                                                                                                        عبد الملك السّلاّمي