|
قراءة تأليفيّة لبرنامج الفلسفة
عمر الفقيه حسن: أستاذ تعليم ثانوي
التحديد المفهومي
· القراءة: هي فعل التمكن من البرنامج من حيث المحتوى والعلاقات بين المحاور والمقاصد المعلنة والمضمرة، وهوفعل ينهج التحليل والتأليف ومحكوم عليه بأن يطأ أرض التأويل مستعملا في ذلك نظاما من المعارف والآليات التي تجبر الرموز على أن تنطق بما تحويه من معان. وعليه فكل قراءة هي طريقة في الفهم عبر ضرب من التأويل، لذلك يتعين أن نلاحظ أنه لا وجود لقراءة نموذجية بل ثمّة فقط أمثلة.
· التأليف: عملية ينتقل بواسطتها الفكر من البسيط إلى المركب ومن العنصر إلى الكل مستهدفا بذلك توحيد المجزأ والمتنافر في كل / نسق منظم متكامل. إنه إذن تمش يرتقى عبره إلى رؤية شاملة انطلاقا من التّفاصيل " فالتأليف يوحد بين ما يفرقه التحليل وهوبهذا المعنى تثبت من التحليل" على حد تعبير " كلود برنار". فالتأليف عملية ضرورية باعتبار أن المعرفة أيا كانت تشكل نظاما ونسقا بحيث يبقى التحليل غير كاف، على حد تعبير" هاملان". إنه يستدعي فكرة النظام ومفهومي الوعي والقصدية ويتعارض بذلك مع كل اعتباطية.
· البرنامج: للبرنامج ثلاث دلالات وهي:
أ- البرنامج بما هومجموعة من المعارف والمواد التي تشملها عملية التدريس في مرحلة معينة.
ب- مجموعة من العمليات التي يجب إنجازها والشروط التي يتعين التقيد بها بغاية بلوغ نتيجة ما، من المفروض أن تكون متمثلة بصفة مسبقة .
ت- مجموعة من الغايات والمقاصد التي يجب العمل على تيسير تمثلهانظريا وتحقيقها عمليا.
بناء على هذا التحديد المفهومي تنكشف القراءة التأليقية بما هي قراءة شمولية، تأويلية تستحضر الكل روح التفكير الفلسفي في الجزء العنصر وتربط الأهدافالخصوصية بالأهداف العامة وتنسق بين عناصر المسألة الواحدة من ناحية وبين مسائل البرنامج من ناحية ثانية. ويشمل الربط والتنسيق المضمون والمهارات والمقاصد في نفس الوقت لأن النتيجة في آخر المطاف من تدريس برنامج الفلسفة إما أن تكون تمكن المتعلم من التفكير فلسفيا في مسألة ماوإما ألا تكون. إن هذه المهمة التي تراهن عليهاالقراءة التأليفية تمثل في حد ذاتها مبررا كافيالها وتأكيدا على أهميتها.
لكن ما هي شروط هذه القراءة وآلياتها وكيف تحقق عمليا؟
- شروط القراءة التأليفية وآلياتها.
· الشروط:
° تقتضي القراءة التأليفية تمثل الأهداف العامة لتدريس الفلسفة وذلك لأنها تبقى غاية ثابتة يتعين استحضارها بصفة دائمة والعمل على جعلها ممكنة التحقق بمناسبة كل محور، وللتذكير فإن هذه الأهداف قابلة للإختزال في ما يلي:
- التمرس على الحرية بفضل ممارسة التفكير من خلال أعمال الفلاسفة التفكير / الحرية .
- جعل المتعلم أكثر قدرة علىالفهم والتأويل العميق لما يعرف سلفا والوعي بذلك بصفة أوضح وأشمل. النقد ، تجاوز السطحيات وإعادة النظر في المكتسبات .
- جعل المتعلم أكثر تعقلا عقلانية وذلك بإكسابه القدرة على التحرر من الأحكام المتسرعة والقوالب الجاهزة. النقد / النقد الذاتي .
- تمكين المتعلم من التسلح بنمط من التفكير النقدي بما يجعله أكثر ثقة في النفس واعتدالا في الموقف وتسامحا في التعامل. التحرر من الانغلاق والمغالاة .
- مساعدة المتعلم على الارتقاء من المواقف العفوية إلى المواقف الواعية التي تسند اختياراته الفكرية والسلوكية.
فالغاية إذن هي التمرس على التفكير الحر واستخدام النقد بغاية التصحيح والتجاوز والدحض والتأسيس، وذلك لأن التمكن من التفكير الفلسفي يقتضي التدرب على التحرر من الأحكام المسبقة بل هوهذه الدربة ذاتها، التي تمكن المتعلم لاحقا من اكتساب القدرة على أن يحكم في المسائل التي تعرض عليه والمواقف / الوضعيات التي يتعرض لها محتكما إلى ذاته خارج دائرتي اللامبالاة والوثوقية، وبذلك يتمكن من الاندماج في مجتمع عصره وفي الانسانية.
° تمثل ما هوأساسي في التفكير الفلسفي خصائص التفكير الفلسفي .
المساءلة - طرح الإشكاليات - تحديد المفاهيم - بلورة مسار حجاجي يسند موقفا ما بشأن مسألة ما أوحكما ما بشأن موقف ما.
إن هذه الثوابت تضمن ترابطابين مراحل إنجاز البرنامج رغم الانتقال من مسألة إلى أخرى، فأثناء معالجة كل مسألة تستعاد هذه المهارات وتترسخ وتتوسع لتشمل قضايا ومضامين جديدة، تنكشف عبرها صلاحيتها وطرافة النتائج التي تترتب عن استخدامها. إن التعرض إلى مسألة جديدة يعد مناسبة يكتشف خلالها المتعلم الحاجة إلى استخدام تلك الآليات أكثر من الحاجة إلى الاطلاع على مواقف وأطروحات غير مألوفة. وهكذا يكف البرنامج عن أن يكون في ذهن المتعلم مجرد سرد لمواقف / أطروحات مختلفة بشأن مسألة، بل هواستعادة للقضايا وإعادة التفكير فيها كما لوأن أحدا لم يفكر فيها من قبل. فمن مهام التفكير الفلسفي " طرح الاشكاليات وإعادة طرحها باستمرار" فوكر لا البحث عن حلول لما نطرحه من إشكاليات في مؤلفات الفلاسفة. فليس بإمكان مرجعية فلسفية ما أن تمد المتعلم بمعنى وجوده مثلا ولكن بإمكانه في المقابل أن يسترشدبها حين يطرح على نفسه سؤالا يتعلق بمعنى وجوده.
° تمثل ما بين المحاور من تقاطعات ونقصد بذلك نقاطاتلتقي فيها مسألة مع مسألة أخرى وتمر عبرها دون أن ترد إليها، ومن بين هذه التقاطعات على سبيل الذكر، تقاطع بين محوري " الوعي والجسد " و" العقلانية في العلوم الانسانية " ذلك أن الرهان في كليهما هوالإمساك بحقيقة الانسان، تقاطع بين محور " ما الفلسفة ؟ " و" الفلسفة والعلم " و" المسألة الخلقية " وذلك لأن التفكير في هذه المحاور ينشغل ببحث العلاقة بين التفكير والمطلب المعرفي والمطلب القيمي وكذلك العلاقة بين التفكيروالممارسة. بين الحقيقة والممارسة وبين القيم والممارسة . تقاطع بين جميع مسائل باب الممارسة والقيم، حيث تطرح كل هذه المحاور مشكلة الحرية طرحا خصوصيا، الخ.
° تمثل علاقات التضمن بين المسائل فكل مسائل البرنامج ترد إلى ثلاث إشكاليات وهي علاقة الانسان بالعالم وشروط إمكان الحقيقة وحدودها وأسس القيم ومنزلتها في مجال الممارسة. ويمكن اعتماد أسئلة كانط للربط بين مسائل البرنامج التي لا تخرج عن دائرة سؤال ماذا يمكنني أن أعرف؟ أوماذا يجب علي أن أفعل؟ أوما الذي يجوز لي أن آمل؟ أوما الانسان؟.
وانطلاقا من تمثل هذه العلاقات يصبح من اليسير الكشف عما بين المفاهيم المركزيةفي البرنامج من روابط التفكير / الممارسة، الذات / الآخر، المعرفة / القيم، الحقيقة / المعنى .
· آليات القراءة التأليفية.
تستوجب القراءة التأليفية فكرة ناظمة موجهة تنطوي في ذاتها على الأداة والغاية وتكون متظمنة في البرنامج ومتأصلة في الهدف من تدريسه، لذلك فقد قادنا تفحص الأهداف المميزة لتدريس الفلسفة والتمعن في خصائص الفكر الفلسفي إلى فكرتي النقد والحرية فجعلنا من هذين المفهومين آلية للربط بين المحاور، لكن لماذا النقد والحرية؟
أولا: لأن النقد من المقومات الأساسية للتفكير الفلسفي فهوأداة دحض ومنهج تأسيس وقاعدة حكم بحيث أن من يتسلح بالفكر النقدي لن يقبل بعد ذلك أي قول خطاب / رأي / اقرار دون أن يتفحصه ويتساءل عن قيمته سواء من ناحية محتواه النقد الداخلي أومن ناحية أصله النقد الخارجي .
ثانيا: لأن من أهداف تدريس الفلسفة تحصين المتعلم من سيطرة الآراء الجاهزة والأحكام المتسرعة والوثوقية والتسطيح وهذا لا يتحقق في نظرنا إلا باكتساب الفكر النقدي.
ثالثا: لأن من أهم ما تراهن عليه الفلسفة، الحرية سواء في بعدها الوجودي أوالأخلاقي، في مستوى التفكير والممارسة، فبناء الانسان الحر الذي يتملك ذاته بواسطة التفكير ويجسم عبر أفعاله طبيعته الحقيقية معتبرة من جهة كونها عاقلة ومتخلقة كان ولا يزال هاجس التفكير الفلسفي.
رابعا: لأن الأهداف العامة لتدريس الفلسفة تنص على أهمية التمرس على الحرية عبر ممارسة التفكير الذي يجعل الانسان واعيا بطاقاته متمثلا لمجالات تصريفها ومسؤولا عن أعماله لا مجرد خاضع لضرورة عمياء أوسجين الاعتباطية، فالحرية تظل الشرط الذي تفقد التجربة الانسانية في غيابه كل معنى.
هكذا يبدواختيار مفهومي النقد والحرية متجذرا في أرض الفلسفة راسخا في أهداف تدريسها وهوبذلك غير خال من الوجاهة.
التطبيقات.
· ملاحظات توضيحية لتيسير قراءة الجداول التطبيقية.
· التطبيق الأول: الوثيقتان:- 4/2.1 4/1.1قراءة تأليفية خطية أفقية وعمودية.
تبقى هذه القراءة على التفريع المقترح رسميا لمسائل البرنامج وتقترح أفكارا ناظمة للربط بين عناصر كل محور، وتعتمد الأغراض الخصوصية للربط بين محاور البرنامج، وهي إلى جانب ذلك تجعل من المفاهيم الأساسية والإشكاليات المركزية التي يضمها برنامج الفلسفة مضمونا للقراءة التأليفية.
· التطبيق الثاني: الوثيقة 4/3 : قراءة تأليفية توسعية:
تعتمد هذه القراءة التأليفية سؤال: ما التفكير؟ كسؤال محوري لأنه يتعلق بتحديد ماهية التفكير وهذا من شأنه أن يقود إلى الدخول في الفلسفة، أي التفلسف، وتجعل منه منطلقا وذلك لسببين. أولا: لأنه يمثل لحظة يصبح فيها التفكير ذاته موضوع بحث، ثانيا: لأنه يحول التفكير الذي يعتقد أغلب الناس أنه يمارس بداهة وبشكل مباشر إلى اشكالية. كما تستند هذه القراءة إلى سؤالين آخرين، أحدهما تتوسع به في مضمون مسائل البرنامج فتشمل قضاياه الأساسية الانسان، اللغة، الحقيقة، القيم، العالم وهذا السؤال هو: فيم نفكر؟ والآخر تنفتح به على رهانات التفكير في هذه المسائل وهي أساسا، التخلص من الأوهام والظنون والأحكام المسبقة واكتساب معارف واعية مؤسسة عقليا سواء كان ذلك بالاعتماد على مرجعيات علمية أم فلسفية، وهذا السؤال هو: لم نفكر؟ وتراهن هذه القراءة على تنسيب المقاربات المختلفة لقضايا البرنامج اعتمادا على النقد وتجعل من حرية التفكير مطلبا وغاية قصوى.
· التطبيق الثالث: الوثيقة 4/4 : قراءة تأليفية تضمينية:
تنطلق هذه القراءة من الانسان كذات عاقلة ومتخلقة وتجعل منه محور التفكير الفلسفي وتسترشد بالمرجعية الكانطية التي ترد مجال الفلسفة إلى أسئلة وترجع الأسئلة إلى سؤال: ما الانسان؟ كما تستند إلى إمكانية رد مسائل البرنامج إلى أربع قضايا أساسية تتمركز حول سؤال: ما الانسان؟ وهي: اللغة والتفكير، الحقيقة، القيم، موقع الانسان من العالم بما هي قضايا مترابطة تؤلف الاطار الذي يتحرك فيه التفكير الفلسفي. وتعتمد تحويل هذه القضايا إلى اشكاليات تطرح حسب توجه نقدي يقاربها من جهة شروط الإمكان والحدود. وتقترح اشكاليات تصل بين القضايا المذكورة منشئة بذلك علاقات حوارية بين مجمل اهتمامات الفلسفة.
· الخاتمة.
تضمن القراءة التأليفية عدة مكاسب، إذ هي بمثابة الدليل الذي يهتدي به الأستاذ في إنجاز مهمته. فهي تيسر له الربط بين المسائل وتجنبه الوقوع في التكرار، والتوسع في بعض العناصر قبل أن يحين أوانها، أوعلى حساب عناصر أخرى. وتوفر له خطة تجعل تقدمه في إنجاز البرنامج عملية محسوبة معرفيا وبيداغوجيا لا زمنيا فقط، إنها تجعله مدركا لما يجب أن ينطلق منه ومتمثلا لما يجب أن يتوقف عنده وعالما بما يجب أن ينتهي إليه. كما أنها تجعل الأستاذ أكثر تمكنا من البرنامج فينجزه بصفة تطورية تتيح للمتعلم فرصة التمكن من المضمون والإحاطة بمنظومة العلاقات التي تربط بين المحاور، وهي بذلك تراعي تطور ملكة الاكتساب لديه وتغذي فيه إرادة التمرس على هذا النمط من التفكير.
وإلى جانب هذه المكاسب فإن القراءة التأليفية التي اقتضت تفحصا للبرنامج تدعونا إلى مزيد التفكير في تجويده وتطوير وسائل تدريسه حتى نجعله أكثر إفادة وإثارة للانتباه وتحفيزا للمتعلم على التفكير.
|