النشرة التربوية
 
دوريّـة تصدرهـا وزارة التّربيـة

افتتـاحيّــة

عبد الملك السلامي: متفقد عام للتربية


تناول العدد الأوّل من "النّشرة التّربويّة " الصادر في شهر جانفي 2001 الماضي موضوع التّجديد التّربوي من وجوهه المختلفة . ولم يكن اختيار هذا الموضوع من قبيل الصدفة ، بل هو إيذان بما سيكون عليه نهج النشرة والخطّ الذي ستلتزم به ولن تحيد عنه . فهي ستعاضد الجهود التي تبذل، في عزلة وانفراد، داخل مؤسساتنا التّربويّة ، بحثا عن المقاربات والتمشيات والوسائل البديلة التي من شأنها أن تحسّن ظروف التعلّم وترتقي بنوعيته و ترسخ قيم العيش معا في مدرسة يرتاح لها كل من يؤمها. 
ويشمل هذا السعي كلّ مكوّنات الفعل التّربوي الذي لا يمكن اختزاله في تبليغ المعارف والمهارات واكتسابها كما قد توحي بذلك نظرة ضيّقة لرسالة المدرسة . فهذه الوظيفة تعتبر اليوم نواة تنتظم حولها نشاطات مختلفة منها ما هو بيداغوجي بحت ( التقييم مثلا ) ومنها ما يتعلّق بالنمو الاجتماعي والوجداني للتلميذ .

إنّ تطوير الممارسات التجديديّة في شتى مستويات الحقل التربوي و التقاءها في إطار مشاريع يتمّ بناؤها جماعيا تهدف إلى تجويد التعليم وتحسين آدائه يشكّل اليوم السبيل القويم ، وربّما الوحيد ، حتى تساير مدرستنا الحداثة التي تملي علينا الترفيع المستمر في مستوى طموحاتنا التعليميّة وحتى نرتقي في آجال قريبة إلى مستوى المعايير العالميّة الخاصّة لجدوى العمليّة التّربويّة وجودتها 

ولمساءلة هذه الإشكالية تخيّرنا، في هذا العدد، مدخلين : أوّلهما تقييم مكتسبات التلاميذ، وهو مجال أصبحت فيه البدائل متعدّدة والاختيارات مفتوحة، وثانيهما مشروع المؤسّسة ، وهو حجز الزاوية في بناء مدرسة الغد والذي لا يمكن تصوّره دون مشاركة كلّ الأطراف التّربويّة وفي طليعتهم المربون المدعوون إلى تحمّل أعباء إعادة تأسيس المدرسة على قواعد تؤهّلها للنهوض برسالتها المتجدّدة والاستجابة لانتظارات المجتمع وتطلّعاته.
فأمّا التقييم فقد لامسناه من جانبين : مساره، وذلك من خلال الممارسات التقييميّة للشفاهي ونتائجه ممثّلة في ما يتوجّسه التلاميذ أكثر من غيره، ونعني العدد ... الذي يزعم البعض أنّه شرّ لا بدّ منه.
إنّ التّدريس المهيكل للشفاهي وتقييمه كانا يخضعان لمعايير مضبوطة تفترضها بيداغوجيا حريصة ، من خلال كلّ المواد، على تطوير كفايات دنيا للتواصل يتحتّم اكتسابها في مجتمع حديث، وقد تحوّل اليوم إلى نشاط مدرسي ثانوي ذي طابع لغوي بحت، غير محدّد المعالم في غالب الأحيان، ممّا أفقده جدواه وأضرّ بصورته لدى التّلاميذ.
كيف يمكن ردّ الاعتبار للشفاهي ممارسة منظّمة للتواصل داخل القسم وموضوعا للتعلّم في درس اللّغة أساسا وليس حصرا ؟ إنّ الفرضيّة التي انطلقت منها كلّ المساهمات التي تضمنها الملف المخصّص للمسألة تقوم على التسليم بأنّ التطوّر الايجابي للمارسات الشفاهيّة مرتبط ارتباطا وثيقا ، إن لم نقل مشروطا، بتحسين مكانة التقييم وجوانبه الإجرائيّة. وقد تمّ استكشاف العديد من السبل في هذا الاتجاه. إلاّ أنّه نظرا لرهانات هذا النشاط الذي يعنى بتعلّمات أساسيّة ـ من قبيل القدرة على التعبير وطلاقة اللّسان وهي مقوّمات كفايات التواصل ـ فإنّ التفكير ينبغي أن يستمر على صفحات هذه النّشرة وغيرها من المنابر التّربويّة وكذلك في إطار مؤسساتي.
فلئن حصل اجماع على أنّ التقييم يلعب دورا محوريا في عمل النظام التّربوي بمختلف مستوياته كأداة للتشخيص والتعديل، والإشهاد. فأنّ التعبير عن نتائجه بواسطة الأعداد يبقى موضوع نقاش مشروع : فهل إنّ إسناد الأعداد إجراء لا غنى عنه ؟ وإلى أي مدى تعبّر الأعداد بصدق عن مستوى التّلاميذ؟ أفلا تمدّنا كلّ دورة من الامتحانات بشواهد عن حالات تكون الفوارق فيها سحيقة بين أعداد يسندها مصحّحون مختلفون للتحرير الواحد ؟ ومن جهة أخرى هل يمكن في إطار تمش يعتمد التقييم التكويني الإبقاء على النّظام الحالي دون تغيير؟
ثمّ إنّ العرف المتمثل في التقييم بواسطة سلم من الأعداد يجري من صفر(0) إلى عشرين (20) والذي تبنيناه ينبغي ألاّ يخفي عنّا الطرق و الممارسات الأخرى المعتمدة في عديد بلدان العالم. ألم تعرف بلادنا في تاريخها الطّويل غير هذا النّظام؟ فقد كانت المؤسّسة الزيتونيّة تعتمد نظاما ثنائيا بسيطا يحكم به على الطالب إجمالا بأنّه " مؤهل " أو " غير مؤهل " دون إسناد عدد. وقد استمر هذا النظام قرونا دون إشكال . 
كلّ هذه المسائل مجتمعة وقع تناولها بالدّرس والنّقاش في منبر ضمّ مربين اختلفت مواقفهم حولها وآراؤهم. وهي تجربة ثريّة ستواصلها النّشرة طارحة قضايا تربويّة هامّة لتبادل الآراء وتسليط الأضواء.

لقد كانت نقطة انطلاقنا في التطرّق إلى هذه المواضيع التي تشغل بال كلّ المربين إشكالية التّجديد، وهي إشكاليّة لا يمكن تمثلها وتصوّر حلولها دون تعميق التفكير في الممارسات التّعلّميّة ووضعيات الحياة المدرسيّة وهو تفكير يغذيه الحوار داخل المؤسّسة وتنيره معارف دقيقة ومختصّة، إن لزم الأمر ، نكتسبها بمجهودنا الذاتي أو عن طريق التّكوين . ويفترض التجديد أيضا تحديد أهداف ترمي إلى تحسين الموجود وأخذ زمام المبادرة لبلوغها في انسجام مع الأنشطة العاديّة التي يقوم بها كلّ في إطار وظيفته ومجاله .
إنّ هذه المبادرات ، الفرديّة أساسا ، تكاد تكون نشاطا يوميا في مدارسنا على مستوى الأفراد أكثر منه على مستوى المؤسّسة. فما من مدرّس محنك إلاّ وله مشروعه البيداغوجي المميّز وما من مدير ناجح إلاّ وله رؤية واضحة لمستقبل المؤسسة التي يسيّرها. فلو اقتصر كلّ على التطبيق الآلي للبرامج وللتعليمات الصادرة عن الوزارة، بدون اجتهاد، لتعطّل السعي ووهنت الحركة. إلاّ أن هذه المبادرات الفرديّة التي هي في حاجة إلى أن نعرّف بها وأن نشيعها بين المربين، تبقى بالضَرورة محصورة في إطار مكانيّ وزمانيّ ضيّق يفقدها فاعليتها .
إنّ تصوّر مشروع جماعي والسعي إلى تحقيقه أي القيام بمبادرات مشتركة مبنية على التشاور في مستوى المؤسّسة قصد إرساء ثقافة الجودة والنجاح وتحسين المناخ المدرسي والعلاقات بين مختلف المتدخلين والارتقاء بمستوى المكتسبات المدرسيّة للتّلاميذ، فهذا عين ما يستوجبه التحوّل نحو مدرسة الجودة والجدوى ، مدرسة تحقّق المصالحة مع نفسها ومحيطها. و سيمكَن مشروع المؤسسة من الارتقاء ، تدريجيا ، من منظومة تقوم على المركزية و منطق التوحيد و التجانس ، إلى أخرى تتوزَع فيها الأدوار بتوازن بين هيآت التصوَر و القيادة و المتابعة على المستوى الوطني و الجهوي من ناحية و المؤسَسات التربوية من ناحية أخرى. و هكذا يتسنى للمدرسة أن تنهض بوظيفتها كاملة ، فتتحرَر المبادرات و تتجلى الإختلافات ضمن نظام تربوي وطني متماسك. ومن هذا المنطلق يمثَل المشروع أفضل طريقة تعبّر بها المؤسّسة عن ثقتها المتجدّدة في الأسرة التّربويّة المدعوة إلى توزيع جديد للمسؤوليات به تفعّل دورها في الحياة المدرسيّة وتتحكّم بالتالي في حاضر المؤسسة التّربويّة ومستقبلها.

إنّ أمثلة مشاريع المؤسسة التي نقدّمها في هذا العدد تشكّل باكورة محاولات بها يمكن للأطراف الفاعلة في المدرسة استرداد دورهم في تقرير مصير مؤسستهم . فهي ليست نماذج للمحاكاة وأمثلة تحتذى بقدر ما هي تعبير عن تحرّر المبادرة ودفع حركيّة جديدة داخل المؤسّسة .

ومهما يكن فإنّ بناء المشروع الناجح يشترط وعيا منهجيّا عبّر عنه G.Clémenceau بقوله: " علينا معرفة ما نريد ، وإذا عرفناه وجب أن نحسن التعبير عنه، وإذا عبّرنا عنه ، وجب علينا أن ننجزه ". 


 

رجوع