النشرة التربوية
 
دوريّـة تصدرهـا وزارة التّربيـة

المؤسّسة التربويّة وجدليّة الائتلاف والاختلاف

نجيب عيّــاد: مدير المعهد القومي لعلوم التّربية



I- عناصر التجانس والائتلاف
تمثّل المؤسسة التّربويّة خليّة أساسيّة في نسيج معقّد من العلاقات الأفقيّة والعموديّة تشكّل في تكاملها وتفاعلها المنظومة التربويّة . وتتأسّس هذه المنظومة على جملة من المبادىء والغايات تؤلّف بين مكوّناتها ومنها تستمدّ وحدتها وقواعد سيرها . وقد أرسي النّظام التّربوي التونسي على المبادىء التّالية :
¨ التّربية والتّعليم حقّ من حقوق الطفل الأساسيّة يقرّه الدستور ويتعيّن ضمانه للجميع .
¨ التّعليم مرفق عمومي تنهض به الدّولة على قاعدة المساواة وتكافؤ الفرص .
¨ التّعليم مجاني.
¨ التّعليم الأساسي إجباري من سن السادسة إلى السادسة عشرة.
¨ الأهداف التّربويّة تعبّر عن طموحات المجموعة الوطنيّة وتندرج في إطار السّياسة التنمويّة ولذا فهي تحدّد وطنيّا .
ويترتّب عن هذه القواعد منطق داخلي قوامه مركزية التسيير ضمانا للإرادة الجماعيّة والمصلحة العامّة .
ويتجلّى ذلك خاصّة في :
ـ التجانس في مستوى البرامج والمواد والامتحانات وقواعد التسيير الإداري والمالي وقوانين الوظيفة العموميّة .
_ التعامل مع المؤسسات التّربويّة بمقاييس موحدة تعتمد معايير وطنيّة حسب مبدإ المساواة ( إعطاء زيد مثل عمرو) .

ومن المآخذ التي تواجه منطق الوحدة الجامعة وما تطمح إليه من تجانس عناصرها الافراط في التجريد وعدم اعتبار الخصوصيّة و تعطيل المبادرة . كما يعاب عليه تغليب " العرض" المدرسي على حساب " الطلب "وضعف المردود.

وقد برزت في العقود الأخيرة اتجاهات تنادي بإصلاح هذا النموذج وتطويره وإكسابه مزيدا من النجاعة و الجدوى لتحسين مردوده . وترى هذه الاتجاهات أنّ ذلك يمكن أن يتمّ في مستويات مختلفة من المنظومة التّربويّة وخاصّة في خليتها الأساسيّة، المؤسسة التّربويّة .
وقبل أن نبيّن كيف يتسنّى للمؤسسة التّربويّة أن تساهم في عملية التّجديد هذه، سنحاول تقديم بعض التعريفات التي في ضوئها يتحدّد موقعها من النّظام ككلّ .
المؤسسة التّربويّة واقع متعدّد الأبعاد تتمثّل أهمّ تعبيراته في كونها :
ـ فضاء تتعايش داخله أطراف مختلفة : تلاميذ ، مدرّسون ، إداريون ، عملة...الخ. فهي مجموعة بشريّة مصغّرة لم تجتمع بمحض الصدفة بل تحدوها إرادة جماعيّة حول رسالة يسعى كلّ طرف من موقعه إلى تحقيقها .
ـ خلية أساسيّة في شبكة واسعة تنتظمها أيضا غايات وأهداف . فهي وحدة من وحدات المرفق العمومي.
ـ وحدة رمزيّة ، ترمز لحضور " المدرسة" ( العلم والمعرفة والأخلاق وغيرها من القيم) في الحيّ والقرية . وعلى هذا الرّمز تتأسّس علاقتها بمحيطها القريب والصورة التي يحملها عنها الأهالي .

وكون هذه التعبيرات قواسم مشتركة بين المؤسسات التّربويّة لا ينفي أن تتجلّى في الواقع بطرق مختلفة وحسب شروط يمليها المحيط الاجتماعي والثقافي والاقتصادي لتجعل من كلّ مدرسة عيّنة فريدة متميّزة.

II- المؤسّسة التّربويّة واقع الاختلاف والتّفريق . 
المؤسّسة التّربويّة هي الإطار المادي والمعنوي الذي يتمّ داخله التجسيم الفعلي للأهداف التّربويّة الوطنيّة وإنجاز البرامج في ممارسات تعليميّة وفق شروط موضوعيّة ومعطيات واقعيّة .
وتنتظم المؤسّسة حول جملة من التصوّرات تحملها الأطراف المتعايشة داخلها وتتجلّى في مختلف نشاطاتها ، في العلاقات السائدة داخلها وفي نظامها الدّاخلي وفي تنظيماتها البيداغوجيّة وفي طرق تسييرها. وتتضافر كلّ هذه العناصر لتؤثّر في مردود المؤسّسة وتكون "القيمة المضافة " التي تميّز عملها ونتائجها الكميّة والنوعيّة، وهو ما يعبّر عنه اليوم بـ" مفعول المؤسّسة ( Effet établissement) " وحوله يدور تفكير الذين يرون في المؤسّسة مستقبل النّظام التّربوي ويراهنون عليها لتجديده والارتقاء بجودة التّعليم وتمكين الناشئة من الكفايات الضروريّة لمجابهة تحديات عالم الغد ومتغيّراته .
والمؤسّسة هي المكان الذي تتجلّى داخله الاختلافات والفروق ويعبّر فيه الأفراد عن ذواتهم وخصائصهم . ففيها يتحوّل التّلميذ من " مفهوم مجرّد ( Fiction de l'élève abstrait ) " على حدّ تعبير هنري بوشي ، إلى ذات حيّة ، طفلا أو مراهقا، بمشاعره وعواطفه وطموحاته واستعداداته وانتظاراته . ففي المؤسّسة وحدها يمكن اعتبار الخصائص والتّعامل معها. ويحيلنا هذا على " القسم " أو الفصل بوصفه الخليّة المصغّرة داخل المؤسّسة حيث نقترب أكثر من الطفل ـ التّلميذ وحيث العلاقة بينه وبين معلّمه علاقة مباشرة والتعرّف إليه يتمّ بلا حواجز . ففي إطار القسم وفي إطار هذه العلاقة تتمّ العمليّة التّعليميّة والفعل التّربوي ويؤخذ في الاعتبار اختلاف التّلاميذ والتعامل مع أنواع ذكائهم وتمايز أنساقهم في التعلّم. فليس من الاعتباط اعتبار " مفعول المعلّم (Effet maître) " محدّدا أساسيّا للنجاح والفشل ومكوّنا من مكوّنات مفعول المؤسّسة .

III- مشروع المؤسّسة : تأليف المختلف 
إنّ تفعيل كلّ العناصر المكوّنة للمؤسّسة التّربويّة والتأليف بينها وتوجيه جهودها ونشاطاتها نحو تحقيق أهداف مميّزة تنطلق من واقعها وتتنزّل في إطار الأهداف التّربويّة الوطنيّة ، هو جوهر ما اصطلح على تسميته بمشروع المؤسّسة. فهو خطّة عمل وأداة بها يتمّ التأليف والانسجام بين مكوّنات مختلفة : 
ـ الانسجام داخل المؤسّسة بين مختلف الأطراف المتدخّلة في العملية التّربويّة في تمش يحترم هوياتهم وقيمهم وخصائصهم بما يكفل العمل المشترك حول أهداف ونشاطات أقرّت جماعيا خدمة للتّلاميذ.
ـ الانسجام بين المؤسّسة ومحيطها باشتراك الأولياء والأطراف المحليّة في المشروع.
ـ الانسجام بين المستويات المحليّة والجهويّة والوطنيّة بالانضواء تحت غايات مشتركة والسعي إلى تحقيقها بسبل مختلفة تترك المجال للمبادرة والتّجديد وتبادل الخبرات .

وهكذا يجد كلّ طرف مكانه في المشروع وتصبح المصالح مشتركة والاختلافات محترمة والغاية واحدة. والخيط الناظم بين الأطراف المختلفة والمؤلّف بينها والضامن لتماسكها هو العقد المعنوي الذي يربطهم جميعا .
فمشروع المؤسّسة ينبني على قاعدة تعاقديّة تنظّم العلاقات بين الأطراف المتدخّلة وتحدّد الأدوار والمسؤوليات والحقوق والواجبات.
فهو عقد بين المؤسّسة والأولياء، وبين المعلّم والمتعلّم وبين المجموعة الوطنيّة ـ الدولة ـ وكلّ الأطراف التّربويّة .
وهذه العلاقة التعاقديّة توجب مشاركة جميع الأطراف في بلورة المشروع وتلزمهم مسؤوليّة إنجازه والسعي إلى تحقيق ما رسم له من أهداف.
ولا يستقيم مشروع المؤسّسة إلاّ إذا توفّرت فيه ثلاثة أبعاد رئيسيّة وتفاعلت :
· بعد بيداغوجي : وهو مدار المشروع وقاعدته. ذلك أنّ غايته الأساسيّة ترمي إلى تحسين مكتسبات التّلاميذ ومقاومة الفشل المدرسي والقضاء على الانقطاع المبكّر .
· بعد تربوي : ويعنى بجوانب التنشئة الاجتماعيّة وبالمواقف والسلوك.
· بعد مؤسّساتي : ويتعلّق بطرق العمل والتّنظيمات البيداغوجيّة والتسيير الإداري.

لا شكّ أنّ التّلميذ هو مدار المشروع ومحوره وهو المستهدف والمستفيد الأوّل ذلك أنّ الرّهان يتمثّل في القضاء على الفشل المدرسي والارتقاء بالنتائج كمّا وكيفا. ولا يتحقّق هذا الغرض إلاّ بتحريك سواكن المؤسّسة وتفعيل أدوار كلّ المتدخلين ، والمدرّسون في مقدّمتهم . فالمشروع فرصة لتجديد الثقة فيهم ولتمكينهم من المساهمة الفعّالة في حياة مؤسستهم وإفساح المجال أمامهم للمبادرة وتكييف طرق عملهم حسب أحوال تلاميذهم والخروج من الروتينيّة والرتابة المملّة. والمشروع الحري بهذا الإسم هو ذاك الّذي يغيّر حياة المدرسة ويدخل عليها من الحيويّة والتعاون المثمر والعلاقات السليمة ما يجعلها فضاءا للعمل المجدي يجد فيه كلّ طرف حظّه وما به يحقّق آماله، وهو المشروع الذي به تعبّر المؤسّسة عن هويتها وطموحاتها .
إنّ المؤسّسة التّربويّة ، شأنها شأن الأفراد والأمم لا يمكنها أن تتقدّم إلاّ إذا ما تبنّت قيما تنير سبيلها وشكّلت تصوّرا لمستقبلها وتعلّقت همّتها بأهداف بها تتوق إلى الأفضل . فبدون هذا الأفق وهذه الإرادة الطموحة لا يمكنها ترتيب أولوياتها وتجسيم تطلعاتها ويخشى أنتتغلّب عليها تناقضاتها وتغمرها الصعاب فتتعتّم الرؤية ويمحى الهدف .

 رجوع