بعثت معتمدية تبرسق منذ سنة 1967   و تبلغ مساحتها الجملية   40175 هك  و يبلغ عدد سكانها حوالي 26 ألف نسمة نصفهم ريفيون و هي إحدى المعتمديات الفلاحية الكبرى لولاية باجة, أهمّ منتوجها الحبوب .

 

 

تزخر المنطقة بالمنتوج الثقافي المحلّي كالصّناعات التقليدية و خاصّة منها صناعة الأغطية الصوفية, كذلك صناعة الخزف التقليدي بمادّة الطّين. كما لا يزال أغلب المتساكنين يحافظون على البعض من عاداتهم و تقاليدهم و لعلّ من أبرزها الفولكلور الشعبي, و ما زالت توجد إلى الآن بعض فرق  " القصابة " و " السلامية " , و تقيم هذه الفرق حفلات خاصّة في الأعراس و المناسبات كما أنّها لا تغيب في شتّى التّظاهرات الثقافية أو بمناسبة الأعياد الوطنية و الدينية.

 

 

            مرّبها الرسّام و الرحّالة  Alexandre Roubtzoff    في شهر نوفمبر من سنة 1915 فرسم  نهج  منارة تبرسق (مدخل السّوق حاليا) و هذه اللّوحة موجودة بمتحف  Bagnères de Bigorre  بفرنسا.

 

 

 

 التسمية و الخصائص التاريخية:

     تقع مدينة تبرسق في المنطقة التلية و قد شيدت في شكل متدرج على سطح جبل الرحمة على ارتفاع يتراوح بين 400 م  و 500 م عن مستوى سطح البحر، جغرافيا يفصلها عن مدينة تونس العاصمة 101 كلم و عن مركز ولاية باجة 50 كلم و عن موقع دقة الأثري 7 كلم  و تعد معتمدية تبرسق الحالية حوالي 25 ألف ساكنا و هي ذات واجهات بيضاء حيث تحتل مساجدها و مزارات أوليائها موقع مدينة تبرسق القديمة التي تعود إلى أقدم عصور التاريخ الإغريقي. أطلق عليها في عهد الحضارة اللاتينبة اسم تبرسقم بوري Thibursicum Bune و قد دعمت ذلك جملة من النقائش اللاتينية و معالم عثر عليها في مواقع متعددة شهد عليها أغلب علماء الآثار في القرن 19 و أثبتوا أن للمدينة ثلاث روايات مختلفة تخص تسميتها : أما الأولى فقد ألحت عديد الكتب أو النصوص المكتوبة على اسم تبرسقم بوري و قد أكد ذلك القديس  أوقستين ( أوغسطيس في محاضر جلسات ندوة قرطاج حوالي سنة 411) .

 

أما الثانية فتشير إلى تسميـــة Thubunsicensis Bune و أما الرواية الثالثة فقد أوردت اســــــم Thibursicusis Buren و مهما اختلفت التسميات فجذور التسمية ليست لاتينية الأصل.

 

و أما الدكتور برثلون ففي محاضرته التي ألقاها في معهد قرطاج سنة 1902 رأى أن أصل التسمية يوناني و قد اعتمدها لإثبات أطروحته اعتمادا على خلفية الإستعمار الأروبي السابق للفينيقيين. و قد عارضه في ذلك الدكتور قيرين الذي رأى أن أصلها فينيقيا في قوله :" يحتمل أن تكون هذه التسمية فينيقية ..." موافقا في ذاك الجغرافي تيلبو الذي لم يغير جزء تبرسقم. و ثمة أطروحة اخرى نالت إعجاب الباحثين و هي تواتر تسمية "بوري" Bure في تبرسقم بوري – تينيبابوري – تيجيبابوري- و لكن النعت النوميدي ظل يلاحقها فعثر على تسمية تبرسقم نوميداروم. و الأرجح على الإطلاق هي رواية ستيفان قزال الذي وافقه الدكتور محمد فنطر إذ اعتمد على أن التسمية تعود إلى الانتماء الجغرافي إلى أرض نوميديا حول جبل القراعة و أكد أن تسميات المدن اللوبية نابعة من اللهجات المتداولة.

 

و اعتبارا لموقعها الداخلي لم تحضى المدينة بكبير اهتمام من طرف المؤرخين القدامى إلا شزرا يسيرا في مؤلف القديس أغسطيس و في بعض محاضر جلسات ندوات قرطاج سنة 411 م و قرارات البروقنصل في مدينة تونس القديمة سنة 525 م.

 

  و قد عبر الرحالة خلال القرن التاسع عشر على اندثار آثار المدينة القديمة و خاصة بناياتها ذات الصبغة الدينية و المدنية حيث غطتها البناءات الحديثة فلم يبق منها سوى الحصن البيزنطي الذي وقع ترميمه في عهد جوستان الثاني بعناية الحاكم توماس و قد توفرت هذه المعلومات بشهادة قيران بناءا على النص المنسوخ عن رحلات كانيات و صلاح الدين في الإيالة التونسية في القرن التاسع عشر ميلاديا و هي نفسها المتوفرة في كتاب الجغرافيا المقارنة لإمارة روما بإفريقيا لتسيو.

  و قد أقامت دوكلار في عهد جوستان الثاني حوالي578م تحت حكم توماس قصرا بيزنطيا داخل هذا الحصن لم يبق منه سوى بابيه. و نجد في نفس هذا الصور حجارة ساهمت في إقامة المباني الرومانية كما ساهمت في إقامة المباني الإسلامية : كالمساجد و الجوامع بأعمدتها و تيجانها. و قد اكتشف قيران وجود مقاطع قديمة في مواقع عديدة من جبل سيدي رحمة و التي قدر أنها كانت المادة الأولية التي أقيمت بها مدينة تبرسقم بوري .

 

كانت مدينة تبرسق تتزود بالماء الصالح للشراب من منبعين متقاربين يحاذيان الصور البيزنطي و الذين أطلق عليهما "العين" للأول و "الحلقوم" للثاني كما أثبتت بعض المعالم وجود قناة تربط بين جهة وادي شمال المدينة بجوفها حسب كتاب الأشغال المائية الرومانية بتونس للدكتور كارتون عن المقال الصادر بالنشرية التونسية لسنة 1897 ، و رغم ندرة المصادر، فإن مدينة تبرسقم بوري تقع في منطقة خصبة تعتمد الفلاحة كمظهر أساسي للحياة الإقتصادية كشأنها اليوم، و لم نعثر على ملامح إقتصادية اخرى ما خلى بعض القطع النقدية الموجودة بمتحف باردو لحد الساعة و التي أودعت به منذ مطلع القرن العشرين و التي استأصلت من كنز عثر عليه بمحيط مدينة تبرسق و فيه ما يناهز الألف قطعة برنزية.

   إن تاريخ تبرسق جدير بالاهتمام لإثباته المراحل النوميدية و البونية و الرومانية من خلال المعالم الدينية و الاطروحة و الأثاث الجنائزي الذي عثر عليه بأطراف جبل سيدي رحمة للفترة البونية الحديثة و قد عثرنا على مظاهر جنائزية تحمل بصمات الحضارة الرومانية و نشير في هذا الإطار إلى ضريح محارب روماني ثري بالأثاث الجنائزي مكون من أواني طينية و اخرى برنزية و يوجد ضمنها قنديل يحمل صورة الآلهة مركليوس و آخر رسم عليه حصان بحري.  

 

لقد أثبتت النصوص اللاتينية الجنائزية ثراء المدينة و مستوى عيش أهاليها بصفة عامة و تجلى ذلك أيضا في جملة الأعمدة و النصب الموجودة بالمدينة و محيطها و هو ما يشابه نصب ساتورنوس SATURNE الموجود بمدينة دقة أو مدينة THIGNIKA و قد أورد الدكتور كارتون في كتابه "اكتشاف" ما يثبت هذا الاتجاه في قوله :"لقد وجدت في أحد منازل تبرسق عمودا فيه صورة ساتورنوس و قد كان يمسك بيده قطعة من الخبز و بيده الاخرى جريدة نخل و لم نعثر على جزئه السفلي... و لقد كان هذا العمود مكعبا إلا جزءه الأعلى فقد كان مثلثا.ّ"

    و نستنتج من هذا أن روح تانيت كانت موجودة و هذا ما يحيلنا على الحضارة القرطاجية، و قد وجدنا في جملة هذه المعالم "قبر رافار" TOMBE RAVARD مجسدة في عمودا ارتفاعها 70 صم فيه امرأة واقفة و أغلب الظن أنها تمثل تانيت ذلك و قد عثرنا على أعمدة فيها كتابات بونية حديثة وضعت في متحف باردو. و هي تبث صورة تانيت و قد أشار الدكتور كارتون إلى عمود آخر فيه كتابة بونية حديثة.

 

      إن الاعمدة المتوفرة في معالم تبرسق تثبت هي الاخرى الحقب الثلاثة التي مرت بها المدينة : اللوبية و البونية و الرومانية. و ذلك من ما كتب عنها و ما عثرنا عليه من خطوط متنوعة على نفس الحجارة و من أهم ما خط عليها من رسوم لاتينية و اخرى بونية حديثة.

  و أما فيما يتعلق بالعهد الروماني فقد عثرنا على ما يثبت معالمه و بعض الحكايات حول المجالس البلدية و هذا ما يؤكد على أن تبرسقم بوري لم تكن مدينة فلاحية فحسب بل هي على جانب هام من المدينة و التحضر. لقد كانت مدينة هامة بمعابدها و ملاعبها الرياضية و معالمها التربوية.

 

 

و قد سلطت لنا هذه النصوص المرسومة على الحجارة الضوء على التاريخ البلدي لمدينة تبرسقم بوري. لقد كانت هذه المدينة ذات نظام بلدي منذ أوائل القرن الثالث عن انتشار المسيحية ما بين 209 م... أما سنة 261 م فقد وقع استعمارها نهائيا و أصبحت محمية روما نية مسيحية.

جرت جل الحفريات بتبرسق سنة 1965 إنطلاقا من طاحونة الريح التي اختارها الإستعمار الفرنسي ليقيم فيها الكنيسة المسيحية التي أصبحت في عهد الإستقلال دار الشعب و التي وجدنا في محيطها عديد الأعمدة و النصب.